Saturday, January 1, 2011

احدث واخر اخبار فى جسد المرأة والعري العقلي

جسد المرأة هو محور الخبر والصخب واللغط والخطأ، والهم الشاغل لرجال الدين والسياسة والقضاء والصحافة، في هذه البقعة الساخنة من العالم، ووصل الأمر بأن طالب بعض الفقهاء في اندونيسيا وماليزيا مؤخرا بضرورة ارتداء المرأة لحزام العفة عند خروجها من منزلها لأي سبب كان، وهو شيء شبيه بما كان يحدث في العصور الوسطي أو المظلمة - كما ينعتها البعض - حيث كان الرجل إذا ما دعته الظروف إلي الغياب عن منزله فترة طويلة بسبب السفر إلي تجارة أو الذهاب إلي الحرب كان يغلق علي فرج امرأته بسلسلة وقفل ويحتفظ بمفتاحه معه، حتي إذا رجع يفتح القفل ويطمئن أن ذكرا لم يمس فرج امرأته.

وهو ما يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن "الجاهلية" و"العصور المظلمة" ليست مراحل تاريخية فحسب وإنما هي حالة ذهنية وبنية عقلية في المقام الأول، قد تتكرر في أي زمان ومكان، طالما توافرت شروط وجودها. وأن المرأة في مجتمعاتنا، رغم كل الجهود المخلصة والنوايا الطيبة، لاتزال أسيرة في سجن كبير من المفاهيم الجاهلية المستقرة في قاع عقولنا، وان مفاهيمنا عن الخطأ والخطيئة والشرف والكرامة مرتبطة بشكل أساسي بجسد المرأة، وإن شئت الدقة، مرتبطة بما بين ساقي المرأة تحديدا، حيث كانت تئد البنات مخافة ان يتلوث شرف القبيلة ان هي هزمت وسبيت نساؤها واعتدي علي شرفهن.

ساهم في تكريس هذه المفاهيم المغلوطة والمتخلفة، البنية البطريركية (الأبوية الذكورية) السائدة في المجتمع العربي، وشيوع ثقافة الاستبداد والاستعباد علي مدي قرون طويلة، حسب هشام شرابي. في هذه الثقافة التراتبية الرأسية يستبد الأعلي بمن هو دونه، الحاكم بالمحكوم، السيد بالعبد، الكبير بالصغير، الرئيس بالمرؤوس، الرجل بالمرأة، القوي بالضعيف، الغني بالفقير... والقائمة تطول.

علي العكس تماما من المجتمعات الديموقراطية الحديثة التي تحكم نفسها بنفسها، وحيث تسود ثقافة الحرية والمسئولية والمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، ويصبح الصدق والأمانة والشجاعة والإخلاص والتفاني والوفاء بالوعد والعهد، هي مفردات الشرف والكرامة، التي لا تفرق بين حاكم ومحكوم، رجل أو امراة، صغير أو كبير.

وهو ما يثير جملة من التساؤلات المشروعة: لماذا لا نخاف الخطأ ولكن نخشي فقط افتضاح أمره؟!... لماذا نستمرئ الكذب والغش والخداع في حياتنا؟... هل من الشرف أن نكذب حتي علي أنفسنا؟... هل من الشرف أن نقهر إنساناً فقط لأن جنسه أنثي؟ هل من الشرف أن نسلب المرأة حقوقها حتي علي جسدها؟

المفارقة التي نحياها اليوم، أو بالأحري، نحن شهودها، هي تواجد هذه البنية العقلية الجاهلية التي تنتمي لعصور موغلة في التخلف والقدم، في صلب الألفية الثالثة التي شهدت تحولات هائلة تغير معها العالم ببنيته ومشهده، بأدواته ومؤسساته، بمفاهيمه وقيمه، فضلاً عن إيقاعه وزمنه.

ففي عصر يزداد فيه العالم ترابطا وانكماشا في الوقت نفسه، بدأت الروابط التراتبية والرأسية في الانحلال، بفعل انتشار أدوات النقل الثقافي الأفقي وتعددها، وأصبح الإعلام اليوم من قنوات فضائية وانترنت واتصالات عبر الأقمار الصناعية، عصب عملية النقل الثقافي الأفقي. إذ أحضر العالم كله أمام مرمي ومشهد الجمبع، وحفز الشعوب والأفراد علي مقارنة أوضاعهم وأحوالهم بأوضاع وأحوال الآخرين باستمرار، وهو ما فتح الباب أمام الإنسان ليحلم أحلاما تفوق قدراته، ويحبط أحباطا يفوق احتماله. والواقع ان المسافة بين الخيال والواقع، بين الرغبة وقلة الحيلة، هي الميدان الذي تبرز فيه هذه الظواهر الجديدة في مجتمعاتنا، وحالة التمفصل "العقلي - الزمني" تلك.

No comments:

Post a Comment

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
اخبار مصر لحظة بلحظة